عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
257
الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل
الموجودة في هذه المظاهر ، وعاينوا أثر أوصافه الأربعة الإلهية ثم باشروها في الوجود على حرارة وبرودة ويبوسة ورطوبة ، علمت القوابل من حيث الاستعداد الإلهي أن تلك الصفات معان لهذه الصور ، أو قل أرواح لهذه الأشباح ، أو قل ظواهر لهذه المظاهر ، فعبدت هذه الطبائع لهذا السرّ فمنهم من علم ومنهم من جهل ، فالعالم سابق والجاهل لاحق ، فهم عابدون للحق من حيث الصفات ، ويؤول أمرهم إلى السعادة كما آل أمر من قبلهم إليها بظهور الحقائق التي بني أمرهم عليها . وأما الفلاسفة فإنهم عبدوه من حيث أسماؤه سبحانه وتعالى ، لأن النجوم مظاهر أسمائه وهو تعالى حقيقتها بذاته ، فالشمس مظهر اسمه اللّه ، لأنه الممدّ بنوره جميع الكواكب ، كما أن الاسم اللّه تستمدّ جميع الأسماء حقائقها منه ، والقمر مظهر اسمه الرحمن ، لأنه أكمل الكواكب يحتمل نور الشمس ، كما أن الاسم الرحمن أعلى مرتبة في الاسم اللّه من جميع الأسماء كما سبق بيانه في بابه ، والمشتري مظهر اسمه الرب ؛ لأنه أسعد كوكب في السماء ، كما أن اسم الرب أخص مرتبة في المراتب لشموله كمال الكبرياء لاقتضائه المربوب ؛ وأما زحل فمظهر الواحدية لأن كل الأفلاك تحت حيطته ، كما أن الاسم الواحد تحت جميع الأسماء والصفات ؛ وأما المريخ فمظهر القدرة لأنه النجم المختصّ بالأفعال القاهرية ؛ وأما الزهرة فمظهر الإرادة ، لأنه سريع التقلب في نفسه ، فكذلك الحق يريد في كل آن شيئا ؛ وأما عطارد فمظهر العلم لأنه الكاتب في السماء ، وبقية الكواكب المعلومة مظاهر أسمائه الحسنى التي تدخل تحت الإحصاء ، وما لا يعلم من الكواكب الباقية فإنها مظاهر أسمائه التي لا يبلغها الإحصاء ، فلما ذاقت ذلك أرواح الفلاسفة من حيث الإدراك الاستعدادي الموجود فيها بالفطرة الإلهية ، عبدت هذه الكواكب لتلك اللطيفة الإلهية الموجودة في كل كوكب ؛ ثم لما كان الحق حقيقة تلك الكواكب اقتضى أن يكون معبودا لذاته فعبدوه لهذا السرّ ، فما في الوجود شيء إلا وقد عبده ابن آدم وغيره من الحيوانات كالحرباء فإنها تعبد الشمس ، وكالجعل يعبد النتانة وغيرهما من أنواع الحيوانات ، فما في الوجود حيوان إلا وهو يعبد اللّه تعالى ، إما على التقييد بمظهر ومحدث ، وإما على الإطلاق ؛ فمن عبده على الإطلاق فهو موحد ، ومن عبده على التقييد فهو مشرك ، وكلهم عباد اللّه على الحقيقة لأجل وجود الحق فيها ، فإن الحق تعالى من حيث ذاته يقتضي أن لا يظهر في شيء إلا ويعبد ذلك الشيء ؛ وقد ظهر في ذرّات الوجود ؛ فمن الناس من عبد الطبائع وهي أصل العالم ، ومنهم من عبد الكواكب ، ومنهم من عبد المعدن ، ومنهم من عبد النار ، ولم يبق